اغلاق
شعار موقع وازكام

من انتهاك الوضع الراهن إلى الشروع في تهويد المسجد الأقصى

, تم النشر 2026/07/23 21:08

من انتهاك الوضع الراهن إلى الشروع في تهويد المسجد الأقصى

                                         د. كامل ريان

                       مختص في شؤون القدس    

اقتحام التاسع من آب 2026… أخطر تحول منذ احتلال القدس

 

لم يكن ما شهده المسجد الأقصى المبارك يوم الخميس الموافق 23 تموز/يوليو 2026 مجرد اقتحام كبير من حيث العدد، ولا مجرد مناسبة دينية يهودية استغلها الاحتلال لتوسيع دائرة الانتهاكات، بل بدا وكأنه إعلان عملي عن انتقال المشروع الإسرائيلي في المسجد الأقصى من مرحلة المساس التدريجي بالوضع التاريخي الراهن (Status Quo) إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل في الشروع بإعادة تشكيل هوية المكان ووظيفته وسيادته الدينية والإدارية.

لقد اعتاد الفلسطينيون، كما اعتاد العالم، على أخبار الاقتحامات اليومية، حتى كادت تتحول إلى مشهد روتيني يفقد قدرته على إثارة الصدمة. غير أن أخطر ما في هذا الاعتياد أنه يحجب حقيقة جوهرية، وهي أن الاحتلال لا يكرر الانتهاكات ذاتها، وإنما يبني كل اقتحام جديد فوق الذي سبقه، بحيث تتحول الإجراءات المؤقتة إلى أعراف، والأعراف إلى واقع، والواقع إلى “وضع راهن جديد” يسعى الاحتلال إلى فرض الاعتراف به.

 

وهذا بالضبط ما جرى في هذا اليوم ،الاحتلال لم يعد يختبر ردود الفعل… بل يفرض وقائع جديدة

 

منذ احتلال القدس عام 1967 حافظ الاحتلال، ولو شكلياً، على خطاب سياسي يعلن احترام “الوضع الراهن”، بينما كان يعمل عملياً على تفريغه من مضمونه خطوة بعد أخرى.

بدأ الأمر بالسماح لاقتحامات محدودة تحت مسمى “الزيارات”، ثم تطورت إلى صلوات فردية صامتة، ثم إلى صلوات جماعية، ثم إلى السجود الملحمي، ثم إلى إدخال الرموز الدينية والطقوس العلنية، وصولاً إلى الرقص والغناء ورفع الأعلام والصلوات الجماعية الكاملة.

أما ما جرى اليوم، فقد تجاوز حتى هذا المسار التراكمي، إذ لم يعد الهدف مجرد ممارسة طقوس دينية داخل المسجد، بل إعادة توزيع السيطرة على الزمان والمكان والإدارة بما يجعل المسجد الأقصى أقرب إلى نموذج المسجد الإبراهيمي في الخليل، مع خصوصية تتناسب مع مكانته الدينية والسياسية.

أولاً: التقسيم الزماني… من اقتطاع ساعات إلى احتكار يوم كامل

أخطر ما وقع اليوم لم يكن عدد المقتحمين فحسب، وإنما الطريقة التي أُفرغ بها المسجد من أهله.

لقد مُنع آلاف المسلمين عملياً من الوصول إلى المسجد، وفُرضت قيود عمرية غير مسبوقة، ووُجه القادمون إلى العودة إلى بيوتهم لأن “اليوم مخصص لليهود”، بينما أُجبر من تمكن من الدخول على البقاء داخل المصليات المسقوفة، ومنع من الوجود في الساحات.

هذه ليست مجرد إجراءات أمنية ،إنها تمثل للمرة الأولى محاولة عملية لتكريس يوم كامل باعتباره زمناً خاصاً بالمستوطنين داخل المسجد الأقصى.

إن الاحتلال لم يعد يكتفي بتحديد ساعات الاقتحام صباحاً وبعد الظهر، بل بدأ يختبر إمكانية تخصيص مناسبات دينية يهودية كاملة داخل المسجد، وهو تطور يمس جوهر "الوضع التاريخي القائم" الذي ظل يقوم طوال القرون الماضية على أن المسجد الأقصى مكان عبادة إسلامي خالص.

إن أخطر ما في هذه السابقة أنها تخلق نموذجاً قابلاً للتكرار في بقية الأعياد اليهودية، حتى يصبح الاستثناء قاعدة، والمؤقت دائماً.

ثانياً: التقسيم المكاني… بداية الاستحواذ على الساحات

منذ سنوات تركزت الاقتحامات في الساحة الشرقية للمسجد الأقصى، وتحولت تدريجياً إلى مساحة شبه ثابتة للطقوس التوراتية.

غير أن إقامة مظلة خاصة بالمقتحمين داخل الساحة الشرقية يمثل تطوراً بالغ الخطورة ،فالاحتلال لا ينصب مظلة لحماية الزائرين من الشمس فحسب، وإنما يعلن عملياً أن هذه المساحة أصبحت تحتاج إلى بنية تحتية خاصة بالمستوطنين ،وفي تجارب الاحتلال السابقة، لم تكن المنشآت المؤقتة مؤقتة أبداً.

هكذا بدأ الأمر في الحرم الإبراهيمي، ثم انتهى إلى تقسيم كامل للمكان، وإعادة تشكيله عمرانياً وإدارياً.

ولذلك فإن المظلة ليست قطعة قماش، بل قد تكون أول لبنة في مشروع إعادة هندسة الفضاء الإسلامي داخل المسجد الأقصى.

وفي الوقت ذاته، تحولت الساحة الغربية المقابلة لقبة الصخرة إلى منصة مفتوحة للرقص والإنشاد والطقوس الجماعية، في مشهد يكاد يرسم حدود منطقتين دينيتين داخل المسجد، وهو ما لم يكن مطروحاً بهذه الصورة من قبل.

ثالثاً: من السماح بالصلاة إلى فرض الطقوس التوراتية

شهدت السنوات الأخيرة انتقالاً تدريجياً من التغاضي عن الصلاة الفردية إلى السماح بالشعائر الجماعية ،أما اليوم فقد بدا المشهد مختلفاً تماماً حيث أقيمت حلقات الغناء، وأُديت “بركات الكهنة”، و”السجود الملحمي”، ورفعت الأعلام، وارتديت ملابس الصلاة، وتليت المراثي الخاصة بذكرى خراب الهيكل، ورددت الأغاني الداعية إلى إعادة بنائه.

وهنا تتجاوز القضية مجرد حرية ممارسة شعائر دينية ،فالهيكل ليس رمزاً دينياً فحسب، وإنما مشروع سياسي يرتبط في أدبيات جماعات الهيكل بإزالة المسجد الأقصى وإقامة الهيكل مكانه.

وحين تتحول ساحات المسجد إلى منصة لإحياء هذا المشروع، فإن الأمر يصبح محاولة لتغيير هوية المكان، لا مجرد استغلاله.

والأخطر من ذلك إزالة اللافتة التي كانت تذكر بقرار الحاخامية الرئيسية القاضي بمنع دخول اليهود إلى المسجد الأقصى ،فإزالة هذه اللافتة ليست عملاً رمزياً بسيطاً، بل إعلان عن انتقال المرجعية الدينية المؤثرة من الحاخامية التقليدية إلى جماعات الهيكل، بما يعني أن الاحتلال لم يعد يكتفي بتغيير الواقع الميداني، بل يسعى أيضاً إلى تغيير المرجعيات الدينية التي كانت تشكل آخر قيد على مشروع الاقتحامات.

رابعاً: السيطرة على الإدارة… الطريق إلى إسقاط ولاية الأوقاف

منذ عام 1967 بقيت الأوقاف الإسلامية الأردنية تمثل المرجعية القانونية والإدارية للمسجد الأقصى، رغم تضييق الاحتلال المستمر عليها ،لكن منع غالبية موظفي الأوقاف من دخول المسجد، مقابل الحركة الحرة للشرطة الإسرائيلية التي أصبحت تتحكم بالدخول والخروج وتنظيم الساحات ونصب المنشآت، يعكس تحولاً أخطر.

 

إن الاحتلال لم يعد يكتفي بالسيطرة الأمنية، وإنما بدأ يمارس صلاحيات الإدارة نفسها ،وهذا يعني أن الصراع لم يعد فقط على من يحرس المسجد، وإنما على من يديره.

 

وحين تصبح الشرطة هي التي تنظم المكان، وتحدد من يدخل ومن يمنع، وتقرر أين يقف الناس، وأين تنصب المنشآت، فإنها عملياً تحل محل الإدارة الإسلامية صاحبة الولاية التاريخية.

 

خامساً: الرقم القياسي… دلالة سياسية أكثر منها عددية

 

إن تسجيل أكثر من أربعة آلاف ومئتي مقتحم في يوم واحد ليس مجرد رقم ،فالعدد في ذاته ليس أخطر من مدلوله ،فالاحتلال أراد أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن المسجد الأقصى أصبح مفتوحاً أمام مشروع الاقتحامات الجماعية، وأنه قادر على إدارة هذا الحجم من المقتحمين دون أن يواجه رداً شعبياً أو إقليمياً يوازي حجم الحدث فقد تحول الرقم إلى استفتاء سياسي على ميزان القوى، أكثر من كونه إحصائية.

 

بين انتهاكات الأمس وانتهاكات اليوم

 

لقد كانت الانتهاكات السابقة، رغم خطورتها، تستهدف إضعاف "الوضع التاريخي الراهن "تدريجياً ،أما اليوم فإن الاحتلال بدأ يتصرف كما لو أن هذا الوضع قد انتهى بالفعل.

فالفرق بين المرحلتين كبير.

في المرحلة الأولى كان الاحتلال يختبر حدود ردود الفعل.

أما في المرحلة الثانية، فإنه يبني واقعاً جديداً فوق الأرض.

في الأولى كان ينتهك النظام القائم.

أما في الثانية، فإنه يؤسس نظاماً بديلاً.

وفي الأولى كان يسعى إلى تقليص الحضور الإسلامي.

أما اليوم فإنه يعمل على إحلال حضور يهودي منظم ومعلن ومدعوم رسمياً في المكان ،وهذا هو الفارق بين انتهاك الوضع الراهن وتهويد الوضع الراهن.

ربما يكون المشهد الأكثر إيلاماً في هذا اليوم هو أن هذه التحولات الكبرى جرت وسط حالة غير مسبوقة من الوهن العربي والإسلامي، والانقسام الفلسطيني، وانشغال المنطقة بأزماتها الداخلية.

لقد كان المسجد الأقصى، عبر تاريخه، يستمد جانباً من حمايته من شعور الاحتلال بأن المساس به قد يشعل المنطقة بأسرها ،

أما اليوم، فإن الاحتلال يبدو أكثر اطمئناناً إلى أن ردود الفعل ستبقى ضمن حدود البيانات والتنديد ،وهذه القناعة هي التي تمنحه الجرأة للانتقال من خطوة إلى أخرى.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي قضية عادلة ليس قوة خصومها، وإنما اعتياد أصحابها على خسائرها اليومية حتى تصبح جزءاً من المشهد الطبيعي.

إن ما جرى في المسجد الأقصى اليوم يجب ألا يُقرأ باعتباره حدثاً عابراً ارتبط بمناسبة دينية يهودية، بل باعتباره محطة مفصلية في مسار طويل من إعادة تشكيل المسجد الأقصى سياسياً ودينياً وإدارياً ،فالاحتلال لم يعد يكتفي بتقويض "الوضع التاريخي الراهن"، بل يعمل على إنشاء وضع جديد تكون فيه السيادة الفعلية له، والإدارة بيده، والطقوس اليهودية جزءاً ثابتاً من المشهد، بينما ينحصر الوجود الإسلامي في حدود يفرضها الاحتلال نفسه.

ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في اقتحام يوم واحد، مهما بلغ حجمه، وإنما في أن يتحول هذا اليوم إلى نموذج يُعاد إنتاجه في كل موسم ديني، حتى يصبح ما كان بالأمس استثناءً هو القاعدة الجديدة.

vital_signs قد يهمك ايضا